فخر الدين الرازي
76
تفسير الرازي
المسألة الثالثة : هم : ضمير عائد إلى شيء قد تقدم ذكره ، وقد تقدم ذكر من اتبع رضوان الله وذكر من باء بسخط من الله ، فهذا الضمير يحتمل أن يكون عائدا إلى الأول ، أو إلى الثاني ، أو إليهما معا ، والاحتمالات ليست الا هذه الثلاثة . الوجه الأول : أن يكون عائدا إلى * ( من اتبع رضوان الله ) * وتقديره : أفمن اتبع رضوان الله سواء ، لا بل هم درجات عند الله على حسب أعمالهم ، والذي يدل على أن هذا الضمير عائد إلى من اتبع الرضوان وأنه أولى ، وجوه : الأول : ان الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب ، والدركات في أهل العقاب . الثاني : أنه تعالى وصف من باء بسخط من الله ، وهو أن مأواهم جهنم وبئس المصير ، فوجب أن يكون قوله : * ( هم درجات ) * وصفا لمن اتبع رضوان الله . الثالث : أن عادة القرآن في الأكثر جارية بأن ما كان من الثواب والرحمة فان الله يضيفه إلى نفسه ، وما كان من العقاب لا يضيفه إلى نفسه ، قال تعالى : * ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) * وقال : * ( كتب عليكم القصاص ) * ( البقرة : 178 ) * ( كتب عليكم الصيام ) * ( البقرة : 183 ) فما أضاف هذه الدرجات إلى نفسه حيث قال : * ( هم درجات عند الله ) * علمنا أن ذلك صفة أهل الثواب . ورابعها : أنه متأكد بقوله تعالى : * ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) * ( الإسراء : 21 ) . والوجه الثاني : أن يكون قوله : * ( هم درجات ) * عائدا على * ( من باء بسخط من الله ) * والحجة أن الضمير عائد إلى الأقرب وهو قول الحسن ، قال : والمراد أن أهل النار متفاوتون في مراتب العذاب ، وهو كقوله : * ( ولكل درجات مما عملوا ) * ( الأحقاف : 19 ) وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ان فيها أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل يحذى له نعلان من نار يعلى من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل أحد يعذب عذابي " . الوجه الثالث : أن يكون قوله : * ( هم ) * عائدا إلى الكل ، وذلك لأن درجات أهل الثواب متفاوتة ، ودرجات أهل العقاب أيضا متفاوتة على حسب تفاوت أعمال الخلق ، لأنه تعالى قال : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * ( الزلزلة : 7 - 8 ) فلما تفاوتت مراتب الخلق في أعمال المعاصي والطاعات وجب أن تتفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب . المسألة الرابعة : قوله : * ( عند الله ) * أي في حكم الله وعلمه ، فهو كما يقال : هذه المسألة عند الشافعي كذا ، وعند أبي حنيفة كذا ، وبهذا يظهر فساد استدلال المشبهة بقوله : * ( ومن عنده لا يستكبرون ) * ( الأنبياء : 19 ) وقوله : * ( عند مليك مقتدر ) * ( القمر : 55 ) .